حين يؤذيك أحد: لا تدع الأذى يختار عدلك
قد يدفعك الجرح إلى إنكار الخير كله أو تجاوز الحد في الرد. تأمل مميز يعينك على حفظ الحق من غير إنكار للأذى أو زيادة عليه.
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ
سورة المائدة · الآية 8
- الصفحة
- 108
- الجزء
- 6
بعد الأذى، لا تتغير مشاعرك تجاه الشخص فقط؛ قد تتغير الطريقة التي تروي بها كل ما حدث بينكما. يصبح من السهل أن تمحو ما كان صحيحًا، أو تضيف إلى الواقعة ما يجعل الآخرين يقفون معك، أو ترد بما يترك جرحًا أكبر.
تأمر الآية بالقيام لله والشهادة بالقسط، وتحذر من أن يحمل البغض على ترك العدل. هذا توجيه أصيل في باب العدل والشهادة، وليس مطالبة للمتأذي بأن ينكر ألمه، أو يصالح من يهدده، أو يبقى في موضع الضرر.
من المعاني التي تفتحها الآية للقلب أن الأذى لا يمنح صاحبه سلطة على قيمك. ما فعله قد يفسر غضبك، لكنه لا يلزمك بالمبالغة أو التشهير أو الانتقاص. تستطيع أن تقول الحقيقة كاملة، وتطلب حقك، وتضع مسافة، وتظل دقيقًا فيما تنسبه إليه.
العدل هنا ليس برودًا عاطفيًا. قد تبكي وتغضب وترفض العودة، ومع ذلك تفرق بين ثلاثة أشياء: ما وقع بالفعل، وما تركه فيك، وما تحتاج إليه الآن. الخلط بينها قد يجعل الشعور دليلًا على تفاصيل لم تحدث، أو يجعل الرغبة في الأمان تتحول إلى رغبة في الإيذاء.
ابدأ بالواقعة في جملة خالية من التعميم: ما الكلمة أو الفعل أو الإخلال الذي حدث؟ ثم سمِّ أثره عليك من غير أن تجعله حكمًا على قيمتك. بعد ذلك حدد خطوة عادلة: حديث موثق، أو طلب اعتذار، أو رد حق، أو وسيط أمين، أو مسافة واضحة، أو مسار نظامي عند الحاجة.
العدل يشملك أنت أيضًا. فلا تُجبر نفسك على عفو لم تنضج أسبابه، ولا تعرّض سلامتك للخطر كي تبدو متسامحًا. وإذا كان الموقف يتضمن عنفًا أو تهديدًا أو إساءة مستمرة، فالأولوية للأمان وطلب الدعم المختص أو النظامي المناسب.
عمق هذا المحتوى المميز ليس في تقديم حل واحد لكل خلاف، بل في مساعدتك على ألا تختار بين إنكار الجرح والانقياد له. يمكنك أن تحفظ حقك، وتحمي نفسك، وتمنع الألم من أن يكتب ردك كله.
وقفة للتدبر
كيف يبدو العدل في موقفي إذا حفظت حقي كاملًا، ولم أنسب إلى الطرف الآخر ما لا أعلمه أو أزد على ما وقع؟
رتّب الموقف في ثلاث جمل منفصلة: «ما حدث»، «ما أثره فيّ»، «ما الخطوة العادلة الآن». لا ترسلها فورًا؛ راجعها بعد هدوء، ثم تحرك بما يحفظ الحق والسلامة.