العودة إلى المكتبة

حين يصبح الغد أثقل من يومك

حين تمتلئ الساعات باحتمالات لم تقع، قد نستهلك قوة اليوم في محاولة تأمين الغد كله. تأمل في الفرق بين الخطر الحقيقي والخوف المتضخم، وفي التوكل الذي يرافق الأخذ بالأسباب ولا يلغيه.

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰنًا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ

3:173

قد لا يكون في يدك اليوم خبر سيئ، لكن ذهنك يتصرف كأن الأخبار كلها وصلت دفعة واحدة. تتخيل نتيجة الفحص، أو جواب الوظيفة، أو مصير أمر تنتظره، ثم تبدأ في العيش داخل كل احتمال. يبقى جسدك في هذا اليوم، بينما يركض قلبك إلى غد لم يأت بعد. ومع طول الركض، يصبح الغد أثقل من الواقع نفسه.

تصف الآية موقفًا حقيقيًا قيل فيه للمؤمنين إن الناس قد جمعوا لهم، وكان المقصود من الخبر أن يثير خوفهم. لا نقيس مخاوفنا اليومية على ذلك الحدث، ولا ننزع الآية من سياقها، لكننا نتوقف عند الحركة التي صنعتها الكلمات في قلوبهم: لم ينكروا وجود التهديد، ولم يقولوا إن الأسباب غير مهمة، بل ردّوا الخوف إلى موضعه وقالوا: ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾.

الخوف يريد منك غالبًا أن تؤمّن كل شيء قبل أن تهدأ. يطلب جوابًا كاملًا عن سؤال لم تتضح معطياته، وضمانًا لنتيجة لا تملكها، وخطة لكل احتمال ولو كان بعيدًا. وعندما تعجز — لأن الإنسان لا يستطيع السيطرة على الغد — قد تظن أن عجزك عن الضمان تقصير منك. هنا يفتح التوكل معنى مختلفًا: أن تفعل ما يقع في قدرتك، ثم تعترف بأن النتيجة ليست ملكًا لك.

يمكنك أن تفرّق بين ثلاثة أشياء: حقيقة تعرفها الآن، واحتمال يرد في ذهنك، وخطوة تستطيع تنفيذها. الحقيقة تحتاج أن تُرى كما هي. والاحتمال لا ينبغي أن يعامل دائمًا كأنه حقيقة. أما الخطوة، فقد تكون اتصالًا، أو موعدًا، أو سؤالًا، أو استعدادًا معقولًا، أو طلب دعم. بعد ذلك يبقى جزء لا تستطيع حمله مهما فكرت فيه، وهذا هو الجزء الذي يحتاج أن تسلّمه لله بدل أن تعيد تمثيله في ذهنك طوال اليوم.

التوكل لا يعني ترك العلاج، أو تجاهل التحذيرات، أو البقاء في مكان غير آمن. وإذا كان هناك خطر واقعي، فالأولوية للأسباب التي تحفظ السلامة وللمشورة المناسبة. كما أن هذه الوقفة لا تطلب منك أن تمنع شعور الخوف فورًا. يمكنك أن تخاف، ثم تختار ألا تمنح الخوف سلطة إدارة كل دقيقة.

ربما لا يصبح الغد واضحًا بعد هذا التأمل، لكن يومك يمكن أن يعود إلى حجمه. لست مطالبًا بأن تعيش جميع النهايات الممكنة قبل أن تصل واحدة منها. يكفي أن تكون أمينًا مع الواقع، وأن تأخذ السبب المتاح، وأن تعرف أنك لست الوكيل الوحيد عن كل ما سيأتي.

وقفة للتدبر

ما الذي أعرفه يقينًا الآن، وما الذي أخشاه فقط، وما الخطوة الوحيدة التي تقع في قدرتي اليوم؟

اكتب تحت هذه الأسئلة ثلاث جمل قصيرة، ثم نفّذ الخطوة الممكنة واترك بقية اليوم خارج محكمة الاحتمالات. قد يبقى شيء من الخوف، لكنك لا تحتاج أن تسلّمه يومك كله.