حين يحتاج عطاؤك إلى ميزان
قد يدفعك الحرج إلى عطاء يتجاوز قدرتك، أو يدفعك الخوف إلى الإمساك دائمًا. وقفة مع إنفاق كريم لا يهمل الواقع ولا يستنزفه.
وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا
سورة الإسراء · الآية 29
- الصفحة
- 285
- الجزء
- 15
يصل إليك طلب مالي وأنت تعرف أن الشهر لم ينته، وأن وراءك التزامات لا يراها صاحب الطلب. تتردد: إن اعتذرت شعرت بالقسوة، وإن أعطيت أكثر مما تستطيع بدأت تحسب ما سيضيق عليك لاحقًا.
تأتي الآية في شأن الإنفاق، فتنهى عن الإمساك الشديد وعن بسط اليد بلا حد حتى ينتهي الإنسان إلى اللوم والانقطاع. لذلك يبقى هذا التأمل في دائرته المالية، ولا يحول الآية إلى عبارة عامة عن كل أنواع الطاقة والحدود.
تفتح لنا الآية بابًا لرؤية العطاء بعيدًا عن طرفين: خوف يغلق اليد كل مرة، واندفاع يعطي تحت ضغط الحرج ثم يترك صاحبه عاجزًا أو نادمًا. الكرم لا يحتاج إلى تجاهل الأرقام، والاعتدال لا يعني أن تبحث دائمًا عن عذر للإمساك.
أحيانًا توافق لأنك تخشى صورة البخيل في عين غيرك، لا لأنك درست قدرتك. وبعد ذلك تضيق بالنفقة أو تذكّر صاحبها بما قدمت. الميزان يبدأ قبل الدفع: ما المبلغ الذي أستطيع إخراجه من غير أن أخل بحاجات أساسية أو التزام ثابت؟ وهل قراري نابع من رغبة صادقة أم من ضغط لا أستطيع مقاومته؟
وقد يكون المتاح أقل من المطلوب. تستطيع أن تعطي جزءًا معلومًا، أو تعتذر بكلمة كريمة، أو تدل على باب آخر للمساعدة، من غير أن تعد بما لا تملك. ليس عليك أن تشرح تفاصيلك المالية كلها كي يكون حدك صادقًا.
ولا يُستخدم هذا التأمل للحكم على الزكاة أو النفقات والحقوق الواجبة؛ فهذه لها أحكامها التي تُسأل عنها جهة علمية مؤهلة. المقصود هنا مراجعة الإنفاق الاختياري حتى يبقى الخير قابلًا للاستمرار ولا يتحول إلى ضيق أو أذى.
وقفة للتدبر
ما الحد المالي الواقعي الذي يسمح لي بالعطاء الآن من غير بخل متعمد ولا التزام يتجاوز قدرتي؟
قبل العطاء القادم، حدّد رقمًا تستطيع إخراجه بعد مراعاة حاجاتك الأساسية والتزاماتك الثابتة. أعطِ ضمنه أو اعتذر بوضوح، ولا تجعل الحرج وحده يقرر عنك.